صُمِّمَت لتحترق الجزء الأول: المخطَّط

في عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، كتب مسؤول إسرائيلي مخططاً لتفكيك العالم العربي من الداخل. بعد أربعة عقود، يبدو الشرق الأوسط تماماً كخريطته

صُمِّمَت لتحترق الجزء الأول: المخطَّط

سلسلة وثائقية من ستة أجزاء، توثيق لمن دمَّر الشرق الأوسط ولماذا

قبل أن تسقط أول قنبلة، كانت الخريطة قد رُسمت.

كان رجل يجلس في تل أبيب ويكتب.

اسمه أوديد ينون. وكان عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين.

الخطر الحقيقي لا يأتي دائماً من خارج الحدود ولكن من مكاتب التخطيط التي تنتظر الوقت المناسب

لم تكن وثيقة سرية. نُشرت في مجلة أكاديمية إسرائيلية تُدعى «كيفونيم» أي الاتجاهات، ووُزِّعت في أوساط مراكز الفكر، وصفت في المكتبات الجامعية. لكن لم ينتبه لها أحداً. أو ربما لم يشأ أحد أن ينتبه.

وفي هذه الجزء، نقرأ ما كتبه ينون. ونتتبّع من أعاد كتابته عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين. نتسائل: من الذين نقلوا هذه الأفكار من الورق إلى الواقع؟ ولماذا لا تزال منطقتنا تدفع الثمن حتى اليوم؟

أولاً: الوثيقة التي أراد لها أن تُنسى

كتب أوديد ينون، المسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية، عام ١٩٨٢، أن الدول العربية المحيطة بإسرائيل ليست دولاً حقيقية. قال إنها كيانات مصطنعة، تقوم على قمع التوترات المذهبية والعرقية، وإن هذه التوترات، لو أُحسن استغلالها، تُشكّل فرصةً استراتيجية لا تُقدَّر بثمن.

ولم يخجل أبدا من هذه الصراحة.

العراق، ليست دولة موحّدة. هو شيعة وسنّة وأكراد، تجمعهم حدود رسمها الإستعمار لا التاريخ. وسوريا كانت في نظره علويين فوق سنّة فوق دروز. ولبنان نسيج هشّ على وشك الإنهيار في أي لحظة.  كتب ينون سنة 1982.

وخلاصة حجّته: هذه الشقوق ليست مشكلة. إنها أداة.

«وتقسيم العراق إلى دويلات طائفية وعرقية، والتفرقة كما هو الحال في لبنان اليوم، هو الهدف الأول لإسرائيل على المدى البعيد على الجبهة الشرقية.»

أوديد ينون، مجلة كيفونيم، ١٩٨٢

سمّى ينون في وثيقته كلَّ دولة في منطقتنا تقريباً مرشّحةً للتفكيك: العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان ومصر والسعودية. كلها في رأيه قابلة للانهيار من الداخل، إذا ما أُحسن توجيه تناقضاتها. واتباع سياسة فرق تسد. 

والهدف النهائي من كل هذا التفكيك؟ القضاء نهائياً على أي قدرة عسكرية عربية موحّدة قادرة على مقاومة التمدد الإسرائيلي.

الوثيقة لم تكن خيالاً أكاديمياً. ترجمة إلى الإنجليزية من قبل عالم إسرائيلي أمريكي يُدعى إسرائيل شاحاك، أستاذاً في الجامعة العبرية وناجياً من المحرقة النازية، قال بصريح العبارة إنها مخطّط توسّعي يجب أن يعلم به كل من يهتم بمصير هذه المنطقة. وأصدر ترجمته ضمن سلسلة «الوثائق الخاصة» تحت الرقم واحد.

لم يُؤخذ التحذير على محمل الجد.

وظلت الوثيقة تنتظر.

المصدر: Oded Yinon, 'A Strategy for Israel in the 1980s', Kivunim, February 1982. الترجمة الإنجليزية: Israel Shahak, Association of Arab-American University Graduates, 1982.

ثانياً: تم إعادة الكتابة بأقلام أمريكية

بعد أربعة عشر عاماً، في صيف ألف وتسعمائة وستة وتسعين، اجتمع فريق عمل في مركز أبحاث إسرائيلي يُدعى المعهد للدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، وأعدّ ورقة سياسات لبنيامين نتنياهو، الذي كان قد فاز للتو بولايته الأولى رئيساً للوزراء.

عنوان الورقة: «قطيعة نظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة».

المؤلف الرئيسي: ريتشارد بيرل، مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق.

المساهمون: دوغلاس فيث وديفيد ورمسر.

جميعهم مواطنون أمريكيون.

وجميعهم كانوا يكتبون لرئيس وزراء دولة أجنبية.

أصبح ثلاثة أمريكيين يكتبون استراتيجية لرئيس وزراء إسرائيلي.

وبعد خمس سنوات، يُصبح الثلاثة أنفسهم من يُدير السياسة الخارجية الأمريكية.

كانت الورقة صريحةً: على إسرائيل التخلي عن مسار أوسلو للسلام والسعي إلى تغيير النظام في العراق هدفاً استراتيجياً، والعمل على إضعاف سوريا ولبنان وإيران. الأهداف مُسمَّاة. الأدوات مُوصَّفة. والرؤية واضحة: منطقة شرق أوسطية مفتّتة وضعيفة، لا تشكّل أي تهديد على المدى البعيد.

وفي عام الفان وواحد، بعد خمس سنوات فقط من كتابة هذه الورقة، شغل ريتشارد بيرل منصب رئيس مجلس سياسة الدفاع في البنتاغون. وأصبح دوغلاس فيث وكيلاً لوزارة الدفاع للسياسة، وهو ثالث أعلى منصب مدني في وزارة الدفاع الأمريكية. وانضم ديفيد ورمسر إلى مكتب نائب الرئيس ديك تشيني مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط.

الأسماء على الوثيقة عام ١٩٩٦.

الأسماء نفسها في سجلات موظفي البيت الأبيض عام ٢٠٠١.

هذه ليست نظريات. هي وقائع موثّقة وقابلة للتحقق من أي باحث.

المصدر: 'A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm', Institute for Advanced Strategic and Political Studies, 1996. متاح كاملاً على الإنترنت.

ثالثاً: الرجل الذي أطلق التحذير أربعاً وثلاثين عاماً

حذّر بنيامين نتنياهو لفهم كيف بِيعَ غزو العراق للرأي العام الأمريكي والعالمي، لا بد من التوقف عند صوت واحد، عاد إلى المنصة مراراً وتكراراً على مدى أربعة وثلاثين عاماً، يحمل التحذير نفسه، ويؤكد الإلحاح ذاته.

عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، حذّر بنيامين نتنياهو، عضو الكنيست آنذاك، من أن إيران على بُعد ثلاث إلى خمس سنوات من امتلاك قنبلة نووية.

عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، كرّر كتابه الصادر في تلك السنة التحذير ذاته. ثلاث إلى خمس سنوات.

عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين، خاطب الكونغرس الأمريكي وقال إن «الموعد النهائي لبلوغ هذا الهدف يقترب بشكل بالغ الخطورة».

مضت السنوات. لم يصل الموعد النهائي.

عام ألفين واثنين، وبعد عشر سنوات من الموعد الذي كان يُفترض أن يكون قد مضى، عاد نتنياهو إلى الكونغرس. ليس رئيساً للوزراء. بل مواطناً عادياً، ليشهد لصالح غزو العراق، وليؤكد للمشرّعين الأمريكيين أن صدام حسين يشغّل أجهزة طرد مركزي نووية كذبا. ووصفها، وهذا إقتباس مباشر من محاضر الجلسة على موقع C-SPAN، بأنها «بحجم الغسالات».

غزت الولايات المتحدة العراق في العام التالي.

لم يُعثر على أجهزة طرد مركزي.

ولم يوجد أي سلاح دمار شامل.

واستأنف نتنياهو تحذيراته من إيران فور ذلك.

في عام ألفين واثني عشر، وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورسم بيده خطاً أحمر على رسم كارتوني لقنبلة، ليعلن للعالم أن إيران على وشك عبور «الخط الأحمر» النووي. الصورة انتشرت في كل أرجاء العالم.

في عام ألفين وخمسة عشر، خاطب الكونغرس للمرة الثالثة، محذراً من الاتفاق النووي الإيراني ومُسمِّياً إياه «خطأً تاريخياً».

وأربعة وثلاثون عاماً. التحذير نفسه. الإلحاح نفسه. الموعد النهائي نفسه، يقترب دائماً ولا يصل أبداً.

ما الذي قالته أجهزة الإستخبارات في هذه الأثناء؟ رئيس الموساد المنتهية ولايته صرّح علناً عام ألفين وأحد عشر بأن السلاح النووي الإيراني لم يكن وشيكاً. ومدير الإستخبارات الوطنية الأمريكية أفاد عام ألفين وخمسة وعشرين بأن إيران لا تبني سلاحاً نووياً بصورة فعلية.

وفي فبراير ألفين وستة وعشرين، سقطت القنابل على إيران على أي حال.

ما الذي تغيّر عام ألفين وستة وعشرين؟

لم تتغير الملحوظ المعلومات الإستخباراتية. وبقية نفسها.

ما تغيّر هو اللحظة السياسية.

المصدر: أرشيف C-SPAN، شهادة نتنياهو أمام الكونغرس ١٩٩٦ و٢٠٠٢ و٢٠١٥. The Intercept، توثيق تسلسل التحذيرات الإيرانية ١٩٩٢–٢٠٢٥.

رابعاً: ما قاله حين ظنّ أنه وحده

في عام ألفين وواحد، التقطت كاميرا بنيامين نتنياهو في منزل خاص في مستوطنة عُفرا بالضفة الغربية. لم يكن يعلم أنه يُصوَّر.

نشرت اللقطات القناة العاشرة الإسرائيلية عام ألفين وعشرة. ووثّق مضمونها كلٌّ من الجزيرة وهآرتس وواشنطن بوست وتابلت ماغازين. اللقطات حقيقية. وهي موثّقة.

قال نتنياهو في تلك الجلسة الخاصة:

«أنا أعرف ما هي أمريكا. أمريكا شيء يمكن تحريكها بسهولة. وتحركها في الاتجاه الصحيح. لن يقف في طريقنا.»

بنيامين نتنياهو، عُفرا، الضفة الغربية، ٢٠٠١

(يتحدث في خاص، دون علمه بوجود كاميرا)

ثم وصف بفخر واضح كيف دمّر إتفاقيات أوسلو للسلام، الإطار الذي كان يُفترض أن يُفضي إلى دولتين، مستغلاً ثغرةً قانونية في اتفاقية الخليل.

قال بالحرف: «لماذا يهم هذا؟ لأنني في تلك اللحظة أوقفت اتفاقيات أوسلو فعلاً.»

وصف كاتب العمود في هآرتس غدعون ليفي، أحد أبرز الصحفيين الإسرائيليين، التسجيلَ بأنه «محبط بعمق»، وقال إنه يثبت أن نتنياهو يعتقد أنه قادر على التلاعب بواشنطن.

نُشر التسجيل. وأثار ضجةً مؤقتة.

لم تُراجع أمريكا علاقتها بإسرائيل.

الشيك على بياض استمر.

وخطب نتنياهو في الكونغرس بعدها ثلاث مرات أخرى.

في كل مرة، استُقبل بالتصفيق واقفاً.

المصدر: القناة العاشرة الإسرائيلية، ٢٠١٠. هآرتس، مقال غدعون ليفي. الجزيرة الإنجليزية، واشنطن بوست، تابلت ماغازين.

خامساً: سقوط الدومينو الأول

في الثاني عشر من سبتمبر ألفين واثنين، وبعد عام واحد بالضبط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أدلى نتنياهو بشهادته أمام لجنة الإصلاح الحكومي في مجلس النواب الأمريكي، وقال:

«لا شك على الإطلاق في أن صدام يسعى ويعمل ويتقدم نحو تطوير أسلحة نووية.»

كل هذه الادعاءات كانت كاذبة.

غزت الولايات المتحدة العراق في مارس ألفين وثلاثة. وبقرار ليلي، حُلَّ الجيش العراقي وجُرِّدت الدولة من مؤسساتها. نحو أربعمائة ألف جندي وضابط استخبارات وموظف حكومي، وكانوا من المكوّن السني تقريباً بأكمله، فقدوا وظائفهم ومعاشاتهم ومستقبلهم في يوم واحد. بلا محاكمة. بلا تعويض. بلا خطة.

ماذا حدث بعدها؟

في غضون أسابيع من سقوط بغداد، كانت قوات مدعومة من إيران مُدمَجةً في وزارة الداخلية العراقية. وفي غضون أشهر، كانت في الشرطة. وفي غضون سنوات، كانت تسيطر على الحكومة.

أُعطيت إيران العراق على طبق من ذهب.

وأُعطي العالم حرباً بلا مسوّغ.

والمنطقة دفعت الثمن، ولا تزال تدفعه.

أول دولة سُمِّيَت في مخطّط ينون عام ١٩٨٢، سقطت عام ألفين وثلاثة.

وسقطت بشهادة حماسية من الرجل الذي سيُطلق بعد ثلاثة وعشرين عاماً الحرب التي استهدفت آخر دولة على القائمة.

وفي السياق ذاته، كشف الجنرال ويسلي كلارك، القائد الأعلى لحلف الناتو السابق، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنه اطّلع على مذكرة في البنتاغون تدعو إلى الإطاحة بسبع دول في خمس سنوات. قال كلارك في مقابلة وثّقتها عدة وسائل إعلام كبرى عام ألفين وسبعة:

«ابتداءً بالعراق، ثم سوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان، وانتهاءً بإيران.»

العراق. سوريا. لبنان. ليبيا. السودان. الصومال. وأخيراً إيران.

كلها مُسمَّاة في وثيقة ينون عام ١٩٨٢.

كلها مُسمَّاة في «القطيعة النظيفة» عام ١٩٩٦.

وكلها على قائمة مذكرة البنتاغون بعد الحادي عشر من سبتمبر.

هذا نمط. موثَّق. مُسمَّى. مُؤرَّخ.

المصدر: شهادة نتنياهو أمام الكونغرس، سبتمبر ٢٠٠٢، أرشيف C-SPAN. مقابلة ويسلي كلارك، Democracy Now، ٢٠٠٧. لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي، تقرير ٢٠٠٦.

سادساً: السؤال الذي لا يُطرح

في التاسع عشر من مارس ألفين وستة وعشرين، وكان اليوم التاسع عشر من الحرب على إيران، وقف نتنياهو أمام الكاميرات وقال:

«ما عليكم سِوىٰ مدّ خطوط النفط والغاز غرباً عبر شبه الجزيرة العربية، مباشرةً إلى إسرائيل، مباشرةً إلى موانئها على البحر المتوسط، وبذلك تكونون قد أنهيتم نقاط الاختناق إلى الأبد. أرى في هذا تحولاً حقيقياً سيعقب هذه الحرب.»

بنيامين نتنياهو، مؤتمر صحفي، ١٩ مارس ٢٠٢٦

وبعد واحد وعشرون يوماً من بداية الحرب، الجائزة تُعلن بوضوح لا لبس فيها.

أنابيب النفط والغاز من شبه الجزيرة العربية، من منطقتنا، إلى إسرائيل وإلى موانئها المتوسطية. خط يمر عبر الأراضي التي دمّرتها سنوات من الفوضى المدروسة.

هذا ليس تصريحاً عابراً. هذا إعلان عن الغاية.

ولهذا نطرح السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي:

من رسم المخطّط؟

من نفَّذه؟

من استفاد منه؟

وماذا يُخطّطون بعد ذلك؟

الخاتمة

لسنا أول من رصد هذا النمط. ووثّقه الباحثون. وتتبّعه المؤرخون. وأقرّ به الدبلوماسيون في أحاديثهم الخاصة.

ما لم يوجد حتى الآن هو توثيق الكامل للتسلسل من مصادر مُسمَّاة ووثائق موثَّقة وتصريحات رسمية مُسجَّلة، ومُقدَّم لا من واشنطن ولا من لندن ولا من مراكز أبحاث غربية، بل من هنا. من داخل المنطقة التي دفعت الثمن.

نحن من يحصي الصواريخ المُعترَضة لا كأرقام، بل لأننا كنا هناك حين سقطت. نحن من صلّى فجر العيد بينما دوّت صفارات الإنذار وارتجفت جدران المساجد. ونحن أصحاب الحق، بل أصحاب الواجب، في أن نسأل.

هذه السلسلة لا تدّعي امتلاك كل الإجابات.

لكن نضع الوقائع في تسلسلها الصحيح.

ونترك للقارئ والمشاهد حرية الحكم.

لأن من يعرف لا يصمت.

ومن يصمت وهو يعرف، فهو جزء من المشكلة.

الدول لا تنهار فقط حين تُهاجم.

بل حين يفقد أبناؤها القدرة على فهم ما يجري حولهم.

هذه السلسلة محاولة لاسترداد تلك القدرة.

في الحلقة الثانية: ماذا حدث داخل العراق بعد الغزو؟ كيف وُلد تنظيم داعش في معتقل أمريكي قرب الحدود الكويتية؟ وكيف حوّل اجتثاث البعث أربعمائة ألف جندي إلى وقود للمقاومة المسلحة؟

الحلقة الثانية: العدو المفيد.

جميع الادعاءات الواردة في هذه السلسلة مستندة إلى وثائق مُسمَّاة ومسؤولين بأسمائهم الكاملة ومنشورات موثَّقة. قائمة المصادر الكاملة 

يوسف فهد المساعيد |  صُمِّمَت لتحترق  |  الجزء الأولى